الرئيسيةمجتمععبد الحليم قنديل يكتب.. بطل كل عام

عبد الحليم قنديل يكتب.. بطل كل عام

طريق الخيانة سالك ومزدحم بالجثث المحنطة ، ومواكب التطبيع مع العدو الإسرائيلى تتلاحق ، وخذلان القضية الفلسطينية عادة الوقت عربيا ودوليا ، والسياسة الفلسطينية بفصائلها فى تناحر لا ينتهى ، لكن الشعب الفلسطينى برجاله ونسائه العاديين ، وبشبانه وشاباته ، بل وحتى بؤطفاله المقاومين ، وبسجل تضحياته الهائلة ، لا يستسلم أبدا ، ولا يرفع الراية البيضاء فى صراع عابر للقرون ، ويوقد شعلة الكفاح جيلا فجيل ، ويوما بعد يوم ، ولا تخبو أحلامه فى النصر الموعود ، وتحرير وطنه من آخر وأبشع ظاهرة احتلال عنصرى استيطانى باق على سطح المعمورة .
 
وفى الأيام والأسابيع والشهور الأخيرة ، وعلى مدى العام 0202 المنقضى كله ، بدا أن المقاومة الفلسطينية تبعث حيويتها من جديد ، برغم كل عوامل التراجع والانهيار والتعرية فى الوضع العربى ، وركام المآسى فى أقطار عربية
منكوبة ، وتدافع محن وكوارث تكاد تلهى وتنسى محنة الشعب الفلسطينى ، إلا أن الرد العفى جاء من قلب فلسطين ذاتها ، بقيامة “القدس” وحرب “سيف القدس” ، وملحمة هروب الأسرى الستة من سجن “جلبوع” فائق التحصين ،
وتوالى بطولات الأسرى والأسيرات وإضراباتهم الطويلة عن الطعام ، ومعارك “الأمعاء الخاوية” طلبا للحرية ، واندلاع نيران المقاومة فى قرى الضفة الغربية ، وبما حول قرية “برقة” بضم الباء إلى رمز جديد لعنفوان الناس العاديين ،وإلى عنوان لصدام متصل بين المواطنين الفلسطينيين مع قطعان المستوطنين وجيش الاحتلال ، استشهد فيه من استشهد شبانا وشابات وعجائز ، ومن دون أن تخضع القرية الباسلة بسكانها الذين لا يزيدون عن 0022 نسمة ، ولا خضعت قرى الجوار بين “نابلس” و”جنين” )بزريا وسيلة الظهر وسبسطة( ، وكان التحدى بدهس وقتل ومطاردة مستوطنين مستعمرين ، ورد عدوان آلاف مإلفة من قوات جيش الاحتلال ، ونفض غبار الخوف من سيل الرصاص الحى والرصاص المطاطى ، وبدء سيرة مقاومة شعبية فلاحية ، تستلهم المدد من صمود القدس ومسيرات عيد الميلاد الفلسطينية ، التى إزدانت بؤعلام فلسطين وأغانى الشهادة ومواكب “الدبكة” فى شوارع العاصمة المقدسة المحتلة ، ومن حول الكنائس العتيقة والمسجد الأقصى المبارك ، وبما دفع قوات الاحتلال إلى انفلات أعصاب ، واعتقال أطفال بتهمة حمل علم فلسطين عند مداخل “الأقصى” ، فوق العجز عن كسر إضراب الأسير “هشام أبوهواش” ، ودهس المسنة الفلسطينية القروية “غدير مسالمة فقهاء” ، ونفاد الحيل فى وقف ثورة الأسيرات، وبؤسماء مقاومين ومقاومات نبيلات ، فوق أن تعد وتحصى ، وكل يوم يهل وافد جديد إلى ساحات المعارك ، فوطؤة الاحتلال وجرائمه المحمومة تتفاقم ، والاستيطان يتوحش ، وهدم المنازل والأحياء ، وشبهات أى حل سلمى تتوارى ،ولم تبق إلا المقاومة وحدها ، تنجب أساطيرها وشهدائها وأغانيها ، وتلد عصرا فلسطينيا مقتحما ، لا تحكم فيه لإرادة أو سياسة فصيل ولا كل الفصائل ، ولا انتظار لقرارات حركات ولا هيئات ولا سلطات ، وبما جعل بعض الفصائل تصحو من رقادها الطويل ، وتلهث وراء مقاومة الشعب التلقائية المتدفقة ، على نحو ما فعلته قيادات فى حركة “فتح” بالضفة الغربية ، وتوالى صيحات نفيرها بالاحتشاد والاصطفاف وراء المبادرين فى “برقة” ، وأخواتها من قرى المقاومة الجديدة ، التى تنهك جيش الاحتلال وتحطم معنويات المستوطنين المستعمرين ، وتبقيهم تحت وطؤة الإحساس بخطر داهم ، برغم أن “برقة” ورفيقاتها ، كلها تقع فى المنطقة )ج( المقررة بمقتضى اتفاق أوسلو سئ الصيت ، وحيث لا وجود للسلطة الفلسطينية ، بل الكلمة والأمر والنهى والإدارة فيها لجيش الاحتلال ، الذى يفاجؤ ببراكين المقاومة من حيث لم يحتسب ويقدر ، وبتطورها من تظاهرات ومسيرات الاحتجاج إلى غضب الرصاص ، والرد فى كل الأحوال بما ملكت الأيدى من حجارة وسكاكين ، وفى انتفاضات تبدو مفرقة ، وإن كانت تبشر بانتفاضة شعبية شاملة كاسحة فى الضفة والقدس .
 
ولا يكاد يمر يوم ، بل ربما ولا ساعة ، من دون ارتقاء شهداء وجرحى جدد ، فقد وصل كل بديل آخر للمقاومة وحساب الدم إلى الحائط المسدود ، خطة “أوسلو” توفاها الله ودهستها الظروف ، والمفاوض الفلسطينى تعب من تكرار الكلام والسلام عبر ثلاثين سنة مضت ، و”نفتالى بينيت” رئيس الوزراء الإسرائيلى الحالى يزايد على عجرفة سلفه “نتنياهو” ، ويقول ببساطة أنه لا دولة فلسطينية ، ولا تفاوض على شبر فى القدس والضفة الغربية ، ثم أن رهان بعض المتنفذين الفلسطينيين على الرئيس الأمريكى جوبايدن سقط تماما ومبكرا ، وواشنطن سلمت بؤولويات كيان الاحتلال ، وطوت وعدها بفتح قنصلية للفلسطينيين فى القدس المحتلة ، ودول التطبيع “الإبراهيمى” الفاجر ، تحمل “إسرائيل” على كتفها وتهتف بعظمة احتلالها ، ودول التطبيع البارد الأقدم ، تتلهى بكلام باهت حول إحياء مفاوضات جرى دفنها ، والرئيس الفلسطينى نفسه محمود عباس أشهر يؤسه ، وقال قبل شهور من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ، أنه يمنح الاحتلال مهلة عام أخير للانسحاب ، وإلا جرى الانتقال لخيارات أوسع من “حل الدولتين” ، وردت عليه “إسرائيل” بوابل من السخرية ، وسقطت الأقنعة عن عملاء الاحتلال فى العمق الفلسطينى ، حتى لو تخفوا على طريقة المسمى “منصور عباس” ، وخادعوا بكونهم من سدنة الشعارات الإسلامية ، وكؤن “إسلاميتهم” المزعومة صارت دينا فى خدمة كيان الاحتلال ، والمحصلة الظاهرة المتكررة مرات ، أنه لم تعد من مناطق رمادية فى المشهد الفلسطينى ، بل إما أبيض أو أسود ، وقد أسودت وتضخمت وشاهت وجوه عربية وفلسطينية ، ولم يعد من خيار متاح إلا الخيار الأول ، الذى سبقت إليه رصاصة العاصفة الأولى فى الأول من يناير 2690 ، ورصاصات “كتائب عز الدين القسام” و”سرايا القدس” و”كتائب شهداء الأقصى” فى الانتفاضتين الأولى والثانية ، وفى حروب غزة الصامدة الأربعة ، التى أعجزت جيش العدو الإسرائيلى عن كسب أى نصر فيها ، وفى عمليات فداء وحروب دهس وسكاكين ، بادر إليها شبان فلسطينيون ، بدت لهم الانتفاضات الكبرى كتاريخ بعيد ، وتصور البعض أنه جرى تدجينهم واحتوائهم ، فإذا بالنسغ و”جينات” المقاومة تعود لتظهر مجددا ، وتحسم على طريقتها جدالا ولجاجا بلا معنى ، يخدر الناس ويمنيهم بملفات ورزم قرارات الأمم المتحدة المإيدة لعدالة الحق الفلسطينى ، وبإحلال الحركة الدبلوماسية محل مبدأ المقاومة ، ثم بإقامة جدران وفصل وتفرقة بين المقاومة الشعبية السلمية والمقاومة المسلحة ، وهو ما يدرك الشعب الفلسطينى بطلانه اليوم ، فالحق بغير قوة تسنده ضائع باليقين ، وانتظار المدد من عالم بعيد فوات للعقل ، وانتظار دعم أغلب الحكام العرب مضيعة للوقت ، وما من بديل صحيح جبرا لا اختيارا ، سوى أن يؤخذ الشعب الفلسطينى قضيته بيديه ، ربما حتى من دون انتظار وفاق فصائل ، عزلت نفسها عن جوهر قضية التحرير الوطنى الفلسطينى ، وانشغلت وانغمست بلعبة محاور إقليمية ، تستثمر شعبية القضية فى خدمة مصالحها البعيدة عن الوجع والهم الفلسطينى .
 
نعم ، يدرك الشعب الفلسطينى اليوم ، أن كل شئ دون جلاء الاحتلال باطل وقبض ريح ، فلا مفاوضات تجدى فى ظل موازين قوى مختلة ، ناهيك عن أن المفاوضات لم تعد واردة أصلا عند كيان الاحتلال ، الذى يتصور أن تقليص معنى الصراع ، وإبداء الاستعداد لمنح تيسيرات اقتصاد ، أو خطط إعمار ، أو فرص عمل فى المستعمرات ، وإلى سواها من حيل الالتفاف ، قد تلهى الشعب الفلسطينى عن تذكر قضيته الأصلية ، وقد تمد جسور مودة واستنامة لواقع بقاء الاحتلال وتؤييده ، وتحويل الحق الفلسطينى إلى أحاديث ذكريات ، وهو ما أثبتت وقائع العام المنقضى عبثه واستحالته واقعيا ، فقد كان عام 0202 مثالا ساطعا لقوة الحقيقة المخفية ، وكان بامتياز عام الوحدة الكفاحية لكل الشعب الفلسطينى ، فى الأرض المحتلة بعدوان 2691 ، كما فى سابقتها المحتلة بحرب 2601
وثبت أن الخطوط وجدران الفصل العنصرى حوائط من زجاج ، لم تمنع ولا حجبت قدرة الفلسطينيين على إعادة استظهار قوتهم الكامنة ، فحضور الشعب الفلسطينى على أرضه المقدسة حقيقة كبرى باهرة ، وعدد الفلسطينين على أرضهم صار يزيد ويتكاثف فى اطراد ، ويتفوق على أعداد المستوطنين المستعمرين المجلوبين من أربع جهات الدنيا ، فقد دخل المشروع الصهيونى فى أزمة وجودية معقدة ، ولم تعد من “مخازن يهود” مستعدة لرفده بمادة بشرية إضافية ، ثم أن الفلسطينيين لم يعودوا كما مهملا وخاملا ، بل علمتهم المحنة الفريدة ، وخلقتهم خلقا جديدا ، يكملون به دائرة التحول من تفوق الكم إلى اكتساب التطور الكيفى ، وبثقافة استشهاد تحولهم إلى قناديل بشرية ، قادرة بالتراكم الكفاحى على تحطيم رهبة الاحتلال المسلح بالقنابل الذرية ، وعلى تغيير موازين القوة فى سنوات وعقود تجئ ، يكون فيها الشعب الفلسطينى بطلا للعام وكل عام .
Kandel2002@hotmail.com
مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات