الرئيسيةأخبار مصرالمستشار القانوني سامي الجمل يكتب (نظرية الظروف الطارئة في أَوَّجْ صورها )

المستشار القانوني سامي الجمل يكتب (نظرية الظروف الطارئة في أَوَّجْ صورها )

    الدائن يتمسك بالقواعد العامة و بأن العقد شريعة المتعاقدين و بأن المدين ملزم بالوفاء بإلتزامه المستحيل إستحالة جزئية أو مؤقته ، و أنه لا مناص من إجباره على الوفاء مهما سبب له ذلك من خسارة ، وعلي الجانب الآخر تجد أن العدالة تقتضي مراعاة المدين التي تغيرت ظروفه ، فيتم تعديل إلتزاماته ، بما يتناسب مع هذا التغير العام الإستثنائي الغير متوقع

وهذا الجانب الأخير هو تطبيق نظرية الظروف الطارئة التي يمكن تعريفها بأنها ( الحالة الاستثنائية التي يطرأ فيها بعد إبرام العقد وقبل تمام تنفيذه حادث لم يكن متوقع ، من شأنه أن يؤدي إلى اختلال التوازن بين التزامات الطرفین اختلالا فادحاً فيصبح الالتزام الملقي على عاتق المدين مرهقاً له إرهاقً شديداُ ويترتب على تنفيذه له خسارة فادحة ) .

 

    و جدير بالذكر أن هذه النظرية محل تطبيقها يكون في العقود متراخية التنفيذ سواء كان العقد في طبيعته من عقود المدة كالعقود المستمرة دورية التنفيذ كعقد الإيجار وعقد الإستثمار ، أو من العقود الفورية التنفيذ و لكن كان تنفيذه مؤجلاً كعقد البيع المؤجل .

 

    و لا جدال أن ما طرأ علي الساحة العالمية بسبب فيروس كوفيد ١٩، جعل الجميع يتسائل ما آثر هذا الوباء و عدم وجود اللقاح ، علي مستقبل التعاقدات المستمرة متراخية التنفيذ و حتي المؤجلة .

 

    نجد في فرنسا مبدأ أقرته الدائرة السادسة بمحكمة الإستئناف بكولمار الفرنسية في حكمها رقم 0198/ ٢٠ الصادر بتاريخ ١٢/03/٢٠٢٠ جاء فيه أن فيروس كورونا لا يمثل قوة قاهرة ، بل خطر العدوى وعدم وجود لقاح هو الذي يمثل قوة قاهرة .

 

    و أياً كان وجه الرأي في مسألة الإستحالة المطلقة و القوة القاهرة و مدي إنطباقها علي حالة تفشي فيروس كوفيد ١٩   و ما أحدثه من حَلْحَلة في إقتصاديات العالم ، فلا جدال أننا يمكننا القول بأننا أمام نظرية الظروف الطارئة في أَوَّجْ صورها حيث وجدت تطبيقاتها في القانون المصري فنصت المادة ( ١٤٧ ف ۲ ) من القانون المدني المصري رقم ۱۳۱ لسنة ١٩٤٨على أنه : ( ….. ۲- إذا طرأت حوادث إستثنائية عامة ولم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي ، وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعا للظروف بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ويبطل كل إتفاق يخالف ذلك ) .

 

     كما نجد المشرع الكويتي نص في المادة ( ١٩٨ ) من القانون المدني الكويتي رقم ٦٧ لسنة ١٩٨٠ علي أنه :

( إذا طرأت ، بعد العقد وقبل تمام تنفيذه ، ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها عند ابرامه ، وترتب على حدوثها ان تنفيذ الالتزام الناشئ عنه ، وان لم يصبح مستحيلا ، صار مرهقا للمدين ، بحيث يهدده بخسارة فادحة ، جاز للقاضي بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين ، ان يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول ، بأن يضيق من مداه او يزيد في مقابله. ويقع باطلا كل اتفاق على خلاف ذلك ) .

 

     كذلك نجد المشرع الإمراتي نص في المادة ( ٢٤٩ ) من قانون المعاملات المدنية الإماراتي رقم ٥ لسنة ١٩٨٥ على أنه ( إذا طرأت حوادث استثنائية عامة ولم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وان لم يصبح مستحيلا صار مرهقة للمدين يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعا للظروف بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق ابی الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ويبطل كل اتفاق بخلاف ذلك ) .

 

     غير أن المشرع العراقي أَحَّدَ من سلطة القاضي بإعمال نظرية الظروف الطارئة بِجَعل سلطته مقصورة علي إنقاص إلتزام المدين في حين جعل المشرع المصري و الكويتي و الإمراتي للقاضي السلطة في رد الإلتزام المرهق بما يتبع ذلك ، وقف الالتزام مؤقتاً ، أو تأجيله ، أو إنقاصه من علي المدين ، أو زيادته علي الدائن ، أو حتي رد المتعاقدين الي الحالة التي كانوا عليها عند التعاقد إن أمكن ذلك مع ما يترتب علي ذلك من آثار بشأن الموازنة بين مصالح الطرفين ، حيث نص القانون المدني العراقي رقم ٤٠ لسنة ١٩٥١ في المادة ( ١٤٦ ف ٢ ) علي أنه ( ….. ۲- إذا طرأت حوادث استثنائية عامة ولم يكن في الوسع توقعها ، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلا صار مرهقة للمدين يهدده بخسارة فادحة جاز للقاضي تبعا للظروف بعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن ينقص الالتزام المرفق إلى الحد المعقول أن إقتضت العدالة ذلك ويبطل كل اتفاق بخلاف ذلك ) .

 

      و من الملاحظ أن المشرع إستخدم عبارة ” و يبطل كل إتفاق يخالف ذلك ” في كل تشريع بما يدل علي أن هذه قاعدة أمرة لا يجوز الاتفاق علي ما يخالف حكمها فالقانون العام و هو القانون المدني في هذه الحالة هو الواجب التطبيق ، إلا إذا وجد قانون خاص ينظم هذه المسألة في شأن معين فيجب إعمال القانون الخاص في هذه الحدود .

 

      و في الخِتَام فإنه لا جَرَمَ من المداولة بين المتعاقدين ، و لا مَنَاص من الإتفاق بينهم في ظل هذه الظروف التي ليس لها من دون الله كاشفة ، أما سلوك سبيل التقاضي فإنه يجب أن يكون آخر سبيل بين المتعاقدين و في النهاية فإنهم أهل الحق و القرار ، سائلين المولى عز وجل أن يرفع عنا الوباء والبلاء ، وأن ينزل الشفاء إنه قريب سميع الدعاء .

                                                                                                                        المستشار القانوني        

                                                                                                                      سامي الجمل

مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات