تمرّ بنا في حياتنا اليومية والعامّة أمور عدّة، منها ما نصرِف النظر عنها؛ لأنّها لا تستحق، وأخرى نلتفت لها؛ لِما تحمِل من مهمّات قد حوتها..
وهذه حالة عادية وطبيعية، يمر بها أيّ منّا ولا يكاد يخلو، بيد أنّ الذي لا يُسكت عنه، ويُستقبح مرآه؛ أن تجد أناسا ممّن يعوّل عليهم وتترقّبهم الآمال مشتغلين بالتوافه، مُستأنسين لها وبها، مهتمين لتواجُدها، داعين لفرضها وعرضها..
فما قيمتك إذا سمحت للتوافه أن تحطمك وتسحق كبرياءك! أين عزيمتك عندما تفتح بابا للألم والحزن والهم والإحباط كي يدخلوا إلى نفسك..
الحياة درب طويل تتخلله العقبات.. لن تعرف معنى السعادة دون أن تتجرع كأس المرارة.. ولن تشعر بفرحة النجاح دون أن تجرب الفشل.. ولن تنعم بالراحة دون أن تعرف معنى الألم
لماذا تغربل نفسك في أمور تافهه لا طائل منها إلا الضجر والتبرم والتذمر.. وتسبح في فضاءها بين حسرة وألم وقلق.. وتسمح لتوافه أن تطحنك؛ بين رحاها كطحن الدقيق والذرة..
وهكذا اصبح البعض يذري آماله بين هموم تافهه.. يهدر من أوقاته الكثير في أمور لو توقف بين يديها لوجدها صغيرة لا تستحق منه أن يضيع فيها لحظات من سعادته.. فليس لظامئ من سراب إلا التزويق والخداع..
لماذا تشغل نفسك بالتوافه وانت تعلم انها تسعى بك لكل همّ، وتلهيك عن الجدّ، وتقترنك بالإثم، وتجاوزك سدادا، وتلازمك إسفافا، وتلصقك بذُلّ..؟
لماذا عندما تمر علينا أمور حقيرة تافهه؛ نفرد لها مساحه شاسعه من أوقاتنا.. ونودعها في عقولنا؟.. فتأخذ مبتغاها منا رغم علمنا بأنها تافهه!!.. فلماذا لا نقتلعها من جذورها قبل أن تنمو على صدورنا وتكبر؟
ربما لا نستطيع أن نمنع الحزن أن يحلق فوق رؤوسنا لكن بمقدورنا أن نمنعه أن يسكن في رؤوسنا.. بأن لا نجعل لتوافه الامور نصيب وافر من أوقاتنا.. ولا مساحه من تفكيرنا ومن صحتنا وإبتسامتنا وسعادتنا..
لماذا اذا سمعت كلمة نابيه ثارت ثورة غضبك لكلمه حقيرة لن تنال منك شيء.. او اذا وقف المتطفلون في وجهك بأسئلة تافهه إنزعجت.. او اذا تجاوزك احد في الطريق او الطابور الذي تقف فيه.. او اذا تأخر دورك في حصولك على ترقيه حزنت.. وهممت بهموم بليغه، وأنقلبت غما على أمر تافه.. او اذا تأخر رزقك عبست وحولت حياتك إلى دراما من اليأس والإحباط.. متذمرا متبرما متباكيا.. وجعلت عقلك وقلبك مرجل يغلي بعبارات تافهه ما تزيدك إلا تحطيما وتكسيرا.. وبنيت لك عالما مظلما أشبه بشرنقة جبارة حبست فيها طاقاتك وقدراتك وطموحاتك وفرحتك وإبتسامتك..
إن الإهتمام بصغائر الأمور لا فائدة منها ولا هدف لها إلا تحطيم المرء وتجعله في قائمة اللا شيء يقلب كفيه خاوية على عروشها.. إنشغالنا بالتوافه تعكير لسعادتنا.. وتعطيل لأمور حياتنا.. وهذا ما يسبب التخاصم مع الذات.. ويجعلنا في جفوة دائمه بيننا وبين ذواتنا: لا أدري لماذا سمحنا لتوافه أن تطحننا وتأخذ من صحتنا الكثير .. فهل تصالحنا مع ذاتنا وطحنا التوافه قبل أن تطحننا؟ وتجاهلنا التوافه وتغافلنا عن التوافه وتجاهلنا الخنافس وقلنا التافهين ما تشوف شر.. HB
✍حجاج بوخضور
