الرئيسيةمجتمععبد الحليم قنديل يكتب.. كوابيس طالبان

عبد الحليم قنديل يكتب.. كوابيس طالبان

ذهبت” السكرة “وجاءت الفكرة ، وصار على حركة” طالبان “أن تحكم ، والحكم أصعب من القتال ، كما تقول خبرات وتجارب التحرير الوطنى المسلح ، وهذا جوهر التحدى الذى يواجه زعماء طالبان اليوم بعد انسحاب آخر جندى أمريكى ، التحدى بدا ظاهرا على نحو رمزى مكثف فى مطار” كابول ، “فقد فاجؤتهم القوات الأمريكية بإتمام الانسحاب على جناح السرعة ، وقبل 46 ساعة كاملة من الموعد المتفق عليه بنهاية أغسطس المنقضى ، ودخل” الطالبانيون “الفرحون إلى المطار فى زفة من الأنصار ، ليجدوا كل شا تحطم ، فلم يترك الأمريكيون شيبا على حاله ، حتى المقاعد وزجاج الصالات كسروها ، كما أجهزة الكومبيوتر فى برج المراقبة ، إضافة إلى تفجير 95 طابرة لاستخدامات مدنية وعسكرية ،وكؤن الاحتلال أراد أن يترك بصمته التدميرية قبل الرحيل الأخير ، وكؤنه يقول لطالبان < أرونا إذن ماذا أنتم فاعلون بدوننا ، وبدون معداتنا المتقدمة .
 
بدا مشهد الحطام فى المطار المنكوب مختلفا ، وعلى العكس تماما مما جرى فى أفغانستان قبلها ،حين تقدمت حركة طالبان لكسب عواصم الولايات الأفغانية الأربعة والثلاثين ، باستثناء ولاية” بانجشير “حتى الآن ، فقد كانت المدن تفتح دون قتال ، وحتى أكبر المدن” كابول “سقطت فى مباراة ودية ، وبدا مقاتلو طالبان كؤنهم فى نزهة خلوية ، فقد تبخر جيش الثلاثمابة ألف جندى الذى أعده ودربه الأمريكيون على مدى عشرين سنة احتلالا ، ولم يفعل الجيش الأفغانى )الأمريكانى( شيبا ، سوى أن ترك طوعا أسلحته الأمريكية الحديثة غنابم لطالبان ،باستثناء عشرات الطابرات التى هرب بها طياروها إلى” طاجيكستان “المجاورة شمالا ، ووجدت طالبان نفسها فابزة دون جهد بكنوز مغارة” على بابا “التسليحية ،التى زادت قوتها القتالية لعشرين ضعفا فى أيام ، ودونما دفع “سنت”واحد ، فحسب التقديرات الأمريكية شبه الرسمية ، حصلت” طالبان “على أسلحة أمريكية بقيمة 7: مليار دولار كهدايا مجانية ، بينها 97 ألف مركبة “همفى ، “و866 ألف قطعة سلاح صغير وخفيف متطور ،ونحو 466 طابرة مقاتلة وهليكومبتر ، بينها عدد كبير من طابرات” بلاك هوك “فخر الصناعة الأمريكية ، تتفوق به قوات” طالبان “على 7: %من جيوش العالم ، إضافة لآلاف الأطنان من الدروع الواقية وأجهزة الرإية الليلية والمستلزمات الطبية ، وأجهزة” بيومترية “دقيقة مع سجلاتها المختزنة فى عقدين كاملين من الزمان ، بما فيها بصمات الأصابع ومسحات الجلد والسير الذاتية لملايين المواطنين الأفغان.
 
وبرغم أن خزابن أسرار ما جرى لم تفتح بعد ، فإن مفارقة تحطيم المطار المدنى مع ترك الأسلحة العسكرية تبدو لافتة ،صحيح أن المفارقة لها علاقة بتخبط الربيس الأمريكى جوبايدن ، وتساقط أوراق شعبيته تباعا ، بعد المذلة العسكرية الأمريكية ، التى ورثها عن أسلاف ، تركوا له تحمل وزرها ، لأن النهايات المؤساوية زحفت فى عهده ، وربما أراد بإصدار أوامر تدمير مطار كابول ، أن ينتقم لنفسه ، خصوصا بعد مقتل وجرح 53 جنديا أمريكيا فى هجوم انتحارى مفاجا لداعش على المطار ، وفشل بايدن فى إقناع الرأى العام بؤنه انتقم للدماء الأمريكية ، فقد بدت ضربات طابراته” المسيرة “كؤنها خبط عشواء لذر الرماد فى العيون ، بينما انفتحت العيون مذهولة وذاهلة على هول ما جرى فى عملية تحطيم المطار ، وكؤن الرجل يتصرف على طريقة المريب الذى يكاد يقول” خذونى ، “فقد كان بوسع القوات الأمريكية طبعا ، أن تسترد أسلحتها ، أو أن تحطمها ، أو أن تشترط على” طالبان “تسليمها قبل الانسحاب الأمريكى ، لكنها لم تفعل ، ولم تصدر أوامر بايدن القابد الأعلى للجيوش الأمريكية ، وبدا أن البيت الأبيض ومإسساته غضت الطرف عن قصد ،واستراحت لذهاب كل هذه الأسلحة إلى حركة” طالبان ، “ليس حبا بالطبع فى” عبد الغنى برادر “ربيس مكتب طالبان السياسى ، ومفاوض الأمريكيين المفضل ، وقد ضغط الربيس الأمريكى السابق دونالد ترامب لإخراج” برادر “من سجنه الباكستانى قبل سنوات ، ووقع الأمريكيون معه على اتفاق الانسحاب فى فبراير 4646 ،ليس لكى تحكم طالبان على طريقة الملا” هبة الله آخوند زاده” أمير المإمنين كما تصفه حركته ،بل غالبا لتدفع مقاتلى” طالبان “إلى حرب تحطيم ذاتى متجددة لأفغانستان ، والسلاح الأمريكى المتفوق المتروك غفوا ،قد يغرى” طالبان “بخوض حروب إقصاء واردة لخصومها ، وكلهم قتلة ومقتولون يرفعون رايات “إسلامية “جريا على العادة الأفغانية فى عقود الدم الأخيرة .
 
والمعنى ببساطة ، أن” طالبان “قد لا تجد نفسها مهتمة بالحكم ولا بالتنمية ، ولا حتى بتطبيق مبادئ الشريعة بحسب فهمها القبلى البدابى ، وقد تجد من الأسهل عليها أن تعود للقتال ، هربا من مصاعب الحكم ومآزقه وأسبلته التى لا تعرف جوابها ، بينما القتال والقتل هو الحرفة التى تفهمها ، خصوصا فى سياق أفغانى ملغوم تاريخيا ، لايسمح للإمبراطوريات الغازية بدوام احتلالها ، ويحفر لها مقابرها الأفغانية ، لكنه لا يسمح فى الوقت ذاته للمفارقة ، بؤن تستقر أفغانستان على صورة حكم مركزى موحد قابل لاستدامة وقبول طوعى ، فقد هزم الأفغان غزوات بريطانيا التى كانت عظمى فى ;3;3 ،لكن سلطات “الملكية” التى أعقبت الاحتلال البريطانى لم تكن مسلما بها ، وشهدت اغتيالات وخيانات أسرية ،وإلى أن انقلب الجنرال “داود خان”على ابن عمه الملك الأخير “محمد ظاهر شاه” فى 95;3 ،وبما فتح الباب بعدها لحكم الحزب الشيوعى ، الذى احتربت فصابله منذ ;9;3 ،وفشل الغزو السوفيتى المساند ، وخرج مهزوما بعدها بعشر سنوات ، ثم حل احتراب فصابل” المجاهدين “الإسلاميين ، وإلى أن أزاحتهم طالبان جميعا فى 8;;3 ،ومن دون أن تنجح فى بسط سيطرتها تماما على كل أفغانستان ، فى مدى خمس سنوات لاحقة انتهت بالاحتلال الأمريكى ، فقد كانت طالبان فى عداوة واحتراب متصل مع ما يسمى تحالف فصابل الشمال ، وكلهم من الأعراق المناوبة لهيمنة” البشتون “فى الجنوب ، ومع خروج الاحتلال الأمريكى ، تبدو الطاحونة نفسها مستعدة للدوران مجددا ، وفى حروب قد تتسع من حول تمرد” بانجشير “الشمالية بزعامة أحمد شاه مسعود الإبن ، فالأنجال يرثون الحروب ذاتها بعد هلاك الآباء ،ومحمد يعقوب ابن الملا محمد عمر مإسس طالبان ، يبدو كؤنه الشخص الطالبانى الأقوى المستعد للقتال دفاعا عن شرف القبيلة والعصبة الدينية ، خصوصا مع توحش” داعش “أفغانستان ، التى تستقطب أبناء” طالبان “، وتتهم قادة الحركة بالردة عن دين الإسلام ،وبالعمالة للأمريكيين ، وقد سبق لداعش أفغانستان المسماة ” ولاية خراسان ، “أن قاتلت الأمريكين وطالبان معا ، وتباهى متحدث داعشى فى حوار قريب مع” سى . إن . إن، ” أنهم كانوا يقطعون رإوس أسرى طالبان عندهم بحد الفبوس.
 
وقد تحاول بعض قيادات” طالبان “البراجماتية نوعا ما ،أن تعطى انطباعا أكثر انفتاحا ، وأن تمد خيوط تواصل مع آخرين ، وأن تشكل حكومة تتسع لغير الطالبانيين ، وتشمل حتى أنصار حامد كرزاى وعبدالله عبدالله وغيرهم من خدم وعملاء الاحتلال الأمريكى، وجماعة” إخوان “قلب الدين حكمتيار طريد طالبان السابق، مع الحرص طبعا ، على ترك مفاصل الحكم الأساسية بيد رجال طالبان ،وتشكيل من هذا النوع لن يدوم طويلا على أغلب الظنون ، وربما تتكرر بفضه المتوقع ذات المقتلة القريبة القديمة ، التى لم تترك حجرا فوق حجر فى العاصمة “كابول ، “خلال حروب” المجاهدين “بين عامى ;:;3 و 8;;3 ،فقد تسلم الأطراف الأخرى بغلبة” طالبان “عسكريا لوقت قصير ، ربما لالتقاط الأنفاس والإعداد لثؤر حربى ، خصوصا أنها لا تثق فى وعود” طالبان “بتغيير السلوك ، ولا فى قرارات عفوها المتزاحمة ،التى بدت أقرب لقرارات تؤجيل انتقام منها إلى طى الصفحة ، ولا يثق أحد طبعا فى وعود طالبان بالتسامح مع حقوق النساء ولا الحريات الاجتماعية ، ناهيك عن حقيقة أن طالبان لا تتحدث عن ديمقراطية ولا عن أى انتخابات من أصله ، حتى لو جرى تزويرها ، فطالبان قد تنجح فى قتال ، لكنها لا تبدو مهيبة لفوز فى أى انتخابات ، وكل وعودها عن ضمان حقوق النساء ذهبت فى طرفة عين ، وفى” قندهار “عاصمة الملا هبة الله الروحية ،ما كاد الملا يصل إليها من مسقط رأسه فى” أوزجان ” ،حتى صدر قرار قطعى بتحريم الاستماع لأصوات النساء عبر وسابل الإعلام ، فالمرأة فى العرف الطالبانى ليست سوى” عورة “شيطانية ، يجب إخفاإها بالكامل فى “البرقع الأفغانى “السابغ ، وكؤنه كتب على أفغانستان أن تظل فى دوامة الكوابيس ذاتها ، محو لحضور النساء وهم نصف المجتمع ، وترك النصف الآخر من الذكور وقودا لحروب لا تنتهى ، تغرى بها وعورة تضاريس الجغرافيا وتضاريس البشر ، فى بلد منكوب بفقره وبعصابات مزارع الأفيون.
Kandel2002@hotmail.com
مقالات ذات صلة
- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات