غاب عن من يقود ملفات الإصلاح المالي والاقتصادي في مصر الجانب التوعوي لكسب دعم غالبية الشعب في إجراءاته، وتركهم يتذوقون نتاج تحركاته السريعة والصارمة من دون مسكنات طويلة المفعول، على الرغم من ان تحركه نحو إجابة اسئلة بسيطة قد تقود إلى راحة العقول التي تؤرق أبدان أهلنا ليلا، لماذا لا نعي فكر الإصلاح، ما هو مفهوم الإصلاح، وهل هناك فارق بين الشق المالي والاقتصادي؟!
بداية يا سيدي دعنا نعود إلى منزلك، ففيه يزول الشقاء بعيدا عن النظريات المعقدة، فإدارة أمور بيتك شهريا هي نموذج مصغر من إدارة ملف الإصلاح بشقيه في الدولة، فحين يصبح دخلك الشهري 100 جنيه توزعها وفقا لحاجاتك لتلبيها كافة فقد وصلت إلى حالة من التوازن بين ما تحققه من دخل وما تنفقه من مصروفات، فاغتنيت عن طلب مساعدة الغير.
ولكن، إن تغيرت عليك الأيام وبات دخلك لا يلبي حجم ما تحتاجه من مصروفات، فتقع تلقائيا أمام خيارين، الأول منهما تكييف حياتك على مستوى الدخل الذي تحققه، والخيار الآخر يبدأ بالبحث عن وسيلة أخرى ترفع بها مستوى دخلك لمواجهة متغيرات الحياة.
وفي الخيار الأول قد تلجأ إلى إعادة ترتيب أولويات نفقاتك لتصبح متوازنة مع حجم دخلك الشهري وتتجنب الدخول في دائرة الدين، فقد تتخلى عن بعض من آليات رفاهيتك في سبيل ضمان توافر الأساسيات لكافة أولادك من دون نقصان، وهو الأمر الذي يضاهي تماما ما تقوم به الدولة من اصلاح مالي.
أما الخيار الآخر فقد تلجأ للبحث عن عمل إضافي رغبة في الحفاظ على مستوى معيشتك، أو تنشئ مشروعا بسيطا يضمن لك دخلا مستمرا يقلل من تبعات عدم كفاية مصروفاتك، وهو ما يشبه الإصلاح الاقتصادي في الدولة ككل.
هل لك أن تنظر إلى موازنة الدولة بعد سنوات من المعاناة مع الخلل الهيكلي بين الإيرادات والمصروفات وما ترتب عليه من الدخول في دائرة الدين من أوسع أبوابها لعقود، دون أن يجرؤ أحد من الرؤساء السابقين على الرئيس عبدالفتاح السيسي من الولوج إلى الإصلاح المالي من خلال إعادة ترتيب أوجه النفقات بالموازنة وترشيد الدعم وبدء خطوات فعليه نحو توجيهه إلى مستحقيه، والعمل بنظام ضريبي فعال كخطوة أولى نحو إيجاد رديف إيرادي حقيقي لتمويل الانفاق على الدعومات بأنواعها، وإن كنا بحاجة إلى المزيد.
ولم يكن الاصلاح ماليا فقط، بل بدأ الاقتصادي من القاع عبر استحداث بنة تحتية جديدة وتوسع عمراني يمثل نواه للبدء في أنسطة أخرة ولكن الأمر لا يسلم ونحتاج أيضا إلى نظرة في آلياته لدرء الحيود.
خلاصة القول حين تصلح بيتك ماليا واقتصاديا وترى رد فعل أهل بيتك وتحتويه، لا تستكثر على وطنك أن يفعل بالمثل ضمانا للاستقرار في بيوت هي أكثر حاجة منك.
