الرئيسيةأخبار العالمسلوك الذهب بعد القمة التاريخية في 1980 و2026: تحليل مقارن

سلوك الذهب بعد القمة التاريخية في 1980 و2026: تحليل مقارن

أعاد الهبوط الحاد الذي أعقب القمة التاريخية للذهب في يناير 2026 إلى الأذهان واحدة من أشهر دورات الصعود والانهيار في تاريخ المعدن الأصفر: ذروة عام 1980 وما تلاها من تراجع عميق وسوق هابطة استمرت لسنوات.

تبدو المقارنة منطقية للوهلة الأولى، فقد جاءت القمتان بعد موجات صعود استثنائية ارتبطت بتصاعد مخاوف التضخم، والاضطرابات الجيوسياسية، والإقبال القوي على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا. وفي كلتا الحالتين، تحولت مكاسب سريعة إلى تصحيح حاد بمجرد تغير البيئة النقدية والاقتصادية.

لكن التشابه في ملامح الحركة السعرية لكلا الفترتين لا يعني بالضرورة تشابه المسار الذي سيأتي بعدهما. فالبيئة التي تحيط بالذهب في 2026 تختلف في جوانب جوهرية عن تلك التي سادت في 1980، خصوصًا فيما يتعلق بسياسة الاحتياطي الفيدرالي، ودور البنوك المركزية في سوق الذهب، وهيكل الطلب الاستثماري، ووجود أدوات استثمارية لم تكن متاحة قبل أكثر من أربعة عقود.

في 21 يناير 1980، بلغ الذهب 850 دولارًا للأونصة، مسجلًا قمة تاريخية بعد سنوات من التضخم المرتفع، وصدمات أسعار الطاقة، وتزايد القلق السياسي والجيوسياسي. لكن الاتجاه انعكس بسرعة شديدة؛ فبحلول 17 مارس هبطت اسعار الذهب إلى نحو 480 دولارًا للأونصة، أي بخسارة تقارب 44% في أقل من شهرين.

أما دورة 2026، فرغم حدتها، فقد سارت بوتيرة مختلفة. سجل السعر المرجعي للذهب في سوق لندن مستوى قياسي عند 5,501 دولار للأونصة في يناير 2026، قبل أن يفقد نحو 28% من قيمته ويهبط إلى 3,978 دولار في الأول من يوليو، ثم تعافى المعدن الثمين لاحقًا ليتداول أعلى المستوى 4,000 دولار.

ما الذي دفع الذهب إلى قمة 1980؟

لم تكن قمة الذهب في يناير 1980 نتيجة موجة مضاربية قصيرة، بل كانت ذروة مسار صعود استمر لسنوات وتغذى على اضطرابات نقدية واقتصادية عميقة امتدت طوال عقد السبعينيات.

فخلال الفترة المشار إليها، تعرض النظام المالي في أنحاء العالم لتحولات جوهرية. انهار نظام بريتون وودز، وانتهت معه قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، ثم جاءت صدمتان كبيرتان في أسواق النفط لتزيدا الضغوط التضخمية. ظل التضخم مرتفعًا لفترة طويلة بينما كان النمو الاقتصادي ضعيفًا، ما قوّض الثقة في عدد من الأصول المالية التقليدية ودفع المستثمرين إلى البحث عن وسائل لحماية القوة الشرائية.

أصبح الذهب في ظل هذه البيئة أكثر من مجرد أصل مضاربي. فقد تحول بالنسبة إلى كثير من المستثمرين إلى وسيلة للتحوط من التضخم، وضعف العملات، وعدم اليقين بشأن قدرة الحكومات والبنوك المركزية على استعادة الاستقرار النقدي.

ثم جاءت التطورات الجيوسياسية لتدفع الموجة الصاعدة إلى مرحلتها الأخيرة والأكثر حدة. حيث تسببت الثورة الإيرانية في اضطرابات داخل سوق النفط، وأدت أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران إلى زيادة المخاطر السياسية. وبعد ذلك بشهور قليلة، جاء الغزو السوفيتي لأفغانستان في أواخر 1979، وهي الخطوة التي أججت المخاوف بشأن تصاعد التوتر بين القوى الكبرى واتساع نطاق المواجهة الدولية.

لكن المفارقة أن نفس العوامل التي دفعت المعدن الأصفر إلى هذه القمم القياسية جعلت السوق أيضًا أكثر حساسية لأي تغيير في التوقعات النقدية. فكلما أصبح جزء أكبر من ارتفاع الذهب قائمًا على الخوف من التضخم وضعف العملات، أصبحت الأسعار أكثر عرضة للهبوط إذا ظهرت سياسة قادرة على معالجة هذه المخاوف بفاعلية.

كيف غيّر بول فولكر المعادلة بالنسبة إلى الذهب؟

كان التحول الحاسم بعد قمة 1980 هو تغير موقف الاحتياطي الفيدرالي تجاه التضخم من محاولة احتوائه تدريجيًا إلى مواجهته بسياسة نقدية شديدة التشدد.

تولى بول فولكر رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي في أغسطس 1979، وفي ظل ارتفاع التضخم إلى مستويات استثنائية، تبنى البنك المركزي سياسة تهدف إلى كسر دوامة ارتفاع الأسعار حتى لو تطلب ذلك تحمل تكاليف اقتصادية كبيرة على المدى القصير.

وبمرور الوقت، ارتفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى نحو 20%، بينما كان التضخم الأمريكي يقترب من 15% على أساس سنوي خلال فترة ذروة الذهب. واستمر التشديد النقدي خلال 1981، مع بقاء أسعار الفائدة قرب 19% في بعض الفترات. وبحلول أواخر 1982، كان التضخم قد تراجع باتجاه 4%.

من التفاصيل المهمة في تجربة 1980 أن الذهب لم يهبط في مسار مستقيم بعد تسجيل قمته التاريخية في يناير. فبعد الانهيار الأول الذي دفع السعر إلى نحو 480 دولارًا للأونصة في مارس، شهد المعدن ارتدادًا قويًا أعاده إلى قرابة 700 دولار بحلول سبتمبر. وساعدت التطورات الجيوسياسية على دعم هذا التعافي. فقد أدى اندلاع الحرب الإيرانية العراقية، إلى جانب استمرار حالة عدم اليقين السياسي العالمي، إلى تجدد الطلب على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا.

لكن قوة الارتداد لم تكن كافية لتغيير الاتجاه الهبوطي العام. ومن مستوى يقارب 667 دولارًا في سبتمبر 1980، هبط الذهب إلى نحو 318 دولارًا في يونيو 1982، أي بانخفاض يقترب من 52%.

تحمل هذه التجربة درسًا مهمًا عند قراءة تحركات الذهب بعد القمم الكبيرة: الارتداد القوي لا يعني بالضرورة أن السوق الصاعدة السابقة قد استؤنفت.

وهذا ما يجعل تجربة 1980 ذات أهمية خاصة عند تقييم محاولات الذهب الاستقرار والتعافي خلال 2026. فالسؤال ليس فقط ما إذا كان المعدن قادرًا على الارتداد من القيعان الحالية، بل ما إذا كانت الظروف التي ضغطت عليه قد تغيرت بما يكفي لدعم اتجاه صاعد جديد.

ما الذي صنع موجة صعود 2026 ثم قلب اتجاهها؟

تختلف الظروف التي دفعت الذهب إلى قمته هذا العام عن تلك التي سبقت ذروة 1980. ففي نهاية السبعينيات، كان المحرك الرئيسي هو تضخم مرتفع، إلى جانب اضطرابات الطاقة وتراجع الثقة بالنظام النقدي. أما موجة الصعود الأخيرة، فقد تكونت من مزيج أوسع شمل مشتريات البنوك المركزية، وتنويع الاحتياطيات، والمخاطر الجيوسياسية، والقلق بشأن أوضاع المالية العامة، والبحث عن أصول تحوط خارج النظام المالي التقليدي.

بدأت هذه الموجة تكتسب قوة واضحة منذ أواخر 2022، قبل أن تتسارع بصورة أكبر خلال عامي 2024 و2025. فقد واصلت البنوك المركزية شراء كميات كبيرة من الذهب، بينما زاد إقبال المستثمرين من المؤسسات والأفراد على المعدن للتحوط من المخاطر المالية، والتوترات التجارية، واتساع الانقسامات الجيوسياسية.

أحد أكثر جوانب التصحيح الأخير لفتًا للانتباه أن التوترات الجيوسياسية لم تختفِ أثناء موجة الهبوط. فعادة ما يُنظر إلى تصاعد الصراعات العالمية باعتباره عاملًا إيجابيًا للمعدن الثمين، بسبب زيادة الطلب على الأصول الآمنة مثل الذهب. وهذا ما حدث بالفعل في المراحل الأولى للصراع العسكري، عندما دعمت صراعات الشرق الأوسط الإقبال على المعدن الأصفر.

لكن التأثير لم يكن أحادي الاتجاه. فالتوترات نفسها ساهمت في رفع أسعار الطاقة، وهو ما زاد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية أو استمرارها لفترة أطول. ومع تزايد تقديرات التضخم، تراجعت توقعات السوق بشأن قدرة الاحتياطي الفيدرالي على تخفيض أسعار الفائدة بوتيرة كبيرة.

ارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار يظلان أبرز التحديات أمام الذهب

رغم الاختلاف الكبير بين بيئة 1980 و2026، فإن العلاقة بين الذهب والعوائد الحقيقية والدولار تظل واحدة من أكثر نقاط التشابه وضوحًا بين الفترتين.

فالذهب لا يولد فائدة أو تدفقات نقدية منتظمة، ولذلك تزداد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به عندما ترتفع العوائد الحقيقية على السندات. وكلما أصبح المستثمر قادرًا على تحقيق عائد أعلى بعد احتساب التضخم من أدوات الدخل الثابت، تقل نسبيًا جاذبية أصل لا يقدم دخلًا دوريًا.

ويضيف الدولار قناة ضغط ثانية. فارتفاع العملة الأمريكية يجعل الذهب المقوم بالدولار أكثر تكلفة بالنسبة إلى المشترين الذين يستخدمون عملات أخرى، كما أن قوة الدولار كثيرًا ما تأتي ضمن بيئة مالية أكثر تشددًا وأقل دعمًا للأصول غير المدرة للعائد.

لكن الفارق بين ما حدث في عام 1980 و2026 لا يتعلق تحديدًا بوجود هذه الضغوط بقدر ما يتعلق بحجمها واستمراريتها.

ففي بداية الثمانينيات، قاد بول فولكر تحولًا حاسمًا في السياسة النقدية الأمريكية. ولم يكن الهدف مجرد رفع الفائدة لفترة قصيرة، بل تغيير ديناميكيات التضخم نفسها. ومع تشديد السياسة النقدية، ارتفعت العوائد الحقيقية، وتراجعت معدلات التضخم تدريجيًا، واستعاد الدولار قدرًا متزايدًا من الثقة.

أما في 2026، فقد ارتفعت العوائد وتراجعت توقعات خفض أسعار الفائدة، لكن الأسواق لم تشهد حتى الآن تحولًا نقديًا بالقوة نفسها.

ولهذا تصبح المقارنة مع 1980 أكثر جدية فقط إذا استمرت العوائد الحقيقية المرتفعة لفترة طويلة، وظل الدولار قويًا، واستمرت توقعات التضخم في التراجع. أما ارتفاع العوائد لفترة محدودة وحده فلا يكفي بالضرورة لإعادة إنتاج الظروف التي قادت السوق الهابطة الطويلة بعد قمة 1980.

البنوك المركزية غيرت هيكل الطلب على الذهب

إذا كانت العوائد والدولار يمثلان عنصرًا مشتركًا بين الفترتين، فإن سلوك البنوك المركزية يمثل أحد أكبر الاختلافات.

فخلال السنوات الأخيرة، تحولت البنوك المركزية إلى مصدر مهم ومستمر للطلب على الذهب، مع مشتريات بلغ متوسطها نحو 1,000 طن سنويًا خلال الأعوام الأربعة الماضية. وفي الربع الثاني من 2026 وحده، بلغت المشتريات نحو 289 طنًا.

وتشير التوقعات أيضًا إلى استمرار الاهتمام بالمعدن. فقد أظهر مسح مجلس الذهب العالمي أن 89% من مديري الاحتياطيات يتوقعون زيادة إجمالي احتياطيات الذهب لدى البنوك المركزية عالميًا، بينما توقع 45% منهم أن تزيد مؤسساتهم نفسها حيازاتها.

ولا يشبه هذا النوع من الطلب نشاط المضاربين قصيري الأجل. فقرارات البنوك المركزية ترتبط عادة باعتبارات استراتيجية تمتد لسنوات، مثل تنويع الاحتياطيات، وتقليل الاعتماد على بعض العملات والأصول، والتحوط من المخاطر الجيوسياسية، والحفاظ على قيمة الاحتياطيات على المدى الطويل.

ولا يعني ذلك أن البنوك المركزية تستطيع وضع أرضية ثابتة لسعر الذهب أو منع حدوث هبوط حاد. لكنها توفر مصدرًا من الطلب الهيكلي لم يكن حاضرًا بالقوة نفسها بعد قمة 1980، وهو ما قد يغير الطريقة التي يمتص بها السوق فترات التصحيح الكبيرة.

يظهر اختلاف آخر عند النظر إلى تدفقات صناديق الذهب المتداولة المدعومة بالمعدن، وهي أداة لم تكن موجودة خلال دورة 1980.

فخلال الربع الثالث من 2026، جذبت هذه الصناديق تدفقات بلغت نحو 31 مليار دولار. وفي سبتمبر وحده، دخل إليها قرابة 10 مليارات دولار، بينما ارتفعت الحيازات بنحو 67 طنًا إلى مستوى قياسي بلغ 4,256 طنًا، رغم أن الذهب فقد 8.5% من قيمته خلال الشهر. وفي هذه الأثناء، كانت الصورة معاكسة في سوق العقود الآجلة، حيث تراجعت مراكز الأموال المُدارة بنحو 84 طنًا.

هذا الانقسام مهم لفهم طبيعة التصحيح. فالسوق لم تشهد خروجًا متزامنًا من جميع أنواع المستثمرين. بل كان هناك بيع وتصفية للمراكز في جزء أكثر حساسية لتحركات العوائد والدولار، بالتزامن مع استمرار الشراء عبر صناديق المؤشرات.

الخلاصة: 1980 تحذير تاريخي وليس سيناريو حتميًا

توفر تجربة 1980 مرجعًا مهمًا لفهم ما يمكن أن يحدث للذهب بعد موجات الصعود الاستثنائية، لكنها لا تقدم خريطة جاهزة لما يجب أن يحدث في 2026.

هناك بالفعل أوجه تشابه يصعب تجاهلها. فقد جاءت القمتان بعد ارتفاعات قوية غذتها المخاطر الجيوسياسية ومخاوف التضخم والإقبال على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا. وفي المرحلتين، تحول ارتفاع العوائد وقوة الدولار لاحقًا إلى مصدر ضغط واضح على الأسعار.

لكن التشابه في حركة السوق لا يلغي الاختلاف في البيئة التي تحيط بها. ولهذا، لا يتوقف السؤال الحقيقي على ما إذا كان مخطط 2026 يشبه مخطط 1980، بل على ما إذا كانت القوى والبيئة التي دعمت الذهب خلال موجة الصعود الأخيرة قد تغيرت بصورة جوهرية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

- Advertisment -
Google search engine

الأكثر شهرة

احدث التعليقات