استيقظت مدينة سانت كاترين، «أرض التجلي»، على فجرٍ حزين يحمل خبرًا لم يكن عابرًا؛ رحيل الشيخ الدكتور أحمد منصور الدقوني، المعروف بلقب «حكيم كاترين»، عن عمر ناهز 75 عامًا، بعد مسيرة امتدت لعقود في خدمة الإنسان والطبيعة معًا.
خيّم الصمت على أزقة المدينة الجبلية، وارتسمت ملامح الحزن على وجوه اعتادت رؤيته هادئًا، مبتسمًا، باعثًا للطمأنينة في نفوس من يقصدونه.
حياة بين الجبال
في وادي طلاح، وسط صخور الجبال الشامخة، اختار الراحل أن تكون حياته. هناك أقام منزله البسيط ومعمله الصغير، واتخذ من الطبيعة كتابًا مفتوحًا، ومن الأعشاب دواءً، ومن الرحمة منهجًا. لم يكن طبيبًا تقليديًا بقدر ما كان إنسانًا يرى في كل مريض حكاية تستحق الإصغاء قبل وصف العلاج.
كان يؤمن بأن الكلمة الطيبة نصف الدواء، وأن التخفيف عن الناس عبادة لا تقل شأنًا عن أي عمل آخر.
رحلة مع طب الأعشاب
بدأت علاقته بطب الأعشاب في سن السابعة عشرة، حين ورث المعرفة عن جده، وتتلمذ على خبرات أبناء البادية الذين نهلوا من مدرسة الطبيعة أسرار النباتات وخصائصها. ومع مرور السنوات، أصبح اسمه علامة بارزة في جنوب سيناء، وارتبط بمدينة سانت كاترين ارتباط الجذر بالصخر.
كان يجوب الجبال بنفسه، يجمع الأعشاب من بيئتها النقية، ثم يحولها في معمله المتواضع إلى مستخلصات ووصفات قصدها مرضى من مختلف أنحاء مصر وخارجها. لم يكن يسأل عن المقابل بقدر ما كان يسعد برؤية الشفاء في عيون الناس، فتحول بيته إلى ملاذ للباحثين عن علاج بعيدًا عن صخب المدن.
تقدير محلي ودولي
تجاوز صيته حدود الوطن؛ إذ استقبله الرئيس الراحل محمد أنور السادات في استراحته بوادي الراحة تقديرًا لتجربته، كما دعاه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لنقل خبراته في مجال التراث وطب الأعشاب، في إشارة إلى ما بلغته تجربته من مكانة واحترام.
وفي أغسطس 2023، التقت به الدكتورة نوريا سانز، المدير الإقليمي لليونسكو بالقاهرة، خلال زيارتها للمدينة، وأشادت بما تمثله البيئة المحلية وطب الأعشاب من قيمة ثقافية وتراثية أصيلة.
وكان الراحل قد أعرب في لقاءاته الأخيرة عن دعمه لمشروع «التجلي الأعظم»، مؤمنًا بأن الجمع بين التنمية والحفاظ على التراث هو السبيل لصون هوية سيناء.
ابن الجبالية وذاكرة المكان
ينتمي «حكيم البادية» إلى قبيلة الجبالية، إحدى القبائل العريقة المرتبطة تاريخيًا بخدمة دير سانت كاترين، ما عمّق صلته بالمكان وتراثه الروحي والإنساني.
وعندما جاء يوم الوداع، خرجت المدينة بأكملها لتشييع جثمانه من مسجد الوادي المقدس إلى مقابر أبو سيلة، في مشهد مهيب امتزجت فيه الدموع بالدعوات. سار خلفه أبناء القبائل والشيوخ والشباب ومرضى سابقون جاءوا يردّون بعض الجميل لرجل خفف عنهم ألمًا في يوم ما.
لم يكن رحيله مجرد غياب شخص